أبي حيان التوحيدي
193
المقابسات
بدعوته اللطيفة إلى مجلسه - : من البين أن الموجود على ضربين : موجود بالحس وموجود بالعقل . ولكل واحد من هذين الموجودين وجود بحسب ما هو به موجود ، إمّا حسّى ، وإما عقلي . فعلى هذا النفس لها عدم في أحد الموجودين ، وهو الحسّى . ولها وجود في القسم الآخر ، وهو العقلي . وقد كان الدليل على هذه الحال حاضر في هذا العالم ، وذلك أنها كانت تنقله وتستنبطه وتعقل وتستبطئ وتنظم المقدمات ، وتدل على ينابيع المعلومات ، وتعلو إلى غاية الغايات . وليس للحسّ معها شركة ، ولا له عندها معونة ومادة ، فكيف لا تكون النفس التي هي عنوان كتابتها ، وصريح كنايتها ، وفاضل عنايتها ، بعد مفارقة القشور والحواجز ، والحيطان والحواجب ، والغواشي والملابس ، عن الحس أغنى ، وبجوهرها أعلى ، وبخاصتها أسنى ؟ وهذه الأشياء عنها أبعد ، وعن شرفها أهبط ؟ وهل هذه الشهادة إلا عادلة ، وهذه البينة إلا مقبولة ، وهذا الحكم إلا مرضىّ ، وهذا المثال إلا بيّن ؟ ثم قال : ولطائف الحكمة لا يصل إليها الحسّ الجافي ، والغليظ الفدم ، والجلف العبام ، والهلباجة العلفوف « 1 » ، وإنما هي تعرض لمن صح ذهنه ، واتسع فكره ، ودق بحثه ، ورق تصفحه ، واستقامت عادته ، واستنار عقله ، وعلت همته ، وخمد شره ، وغلب خيره ، وأصل رأيه ، وجاد تميزه ، وعذب بيانه ، وقرب اتقانه . قيل له : هذا عزيز جدا الآن ؟ ! وانباع « 2 » [ في ] هذا الفن وتمطى ، وحاز كل غاية وتخطى . ومحصولى من ذلك ما سمعته الآن ، فسر نفعنا اللّه به ، وحلانا بأزينه ، وأسعدنا بقبوله
--> ( 1 ) الفدم : البعيد الفهم ، غير الفطن . والعبام : العي الثقيل . في الأصول : الهبلاجة ، وهو تحريف ، وصحته الهلباجة : وهو الضخم الأحمق الجامع لكل شر . والعلفوف : المسن الجافي ( 2 ) انباع : انطلق وتدفق